ابن عجيبة
86
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يأكلون الطَّعامَ ، مفتقرون إليه في قيام بنيتهم ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ في طلب حوائجهم ، فليس ببدع أن تكون أنت كذلك ، وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي : محنة ، وهو كالتعليل لما قبله ، أي : إنما جعلت الرسل مفتقرين للمادة ، وفقراء من المال ، يمشون في الأسواق لطلب المعاش ؛ ابتلاء ، وفتنة ، واختبارا لمن تبعهم ، من غير طمع ، ولم يعرض عنهم لأجل فقرهم ، فقد جعلت بعضكم لبعض فتنة . قال ابن عباس : أي : جعلت بعضكم بلاء لبعض ؛ لتصبروا على ما تسمعون منهم ، وترون من خلافهم ، وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيكم عليه الدنيا ، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي ، فلا يخالفون ، لفعلت ، ولكن قدرت أن أبتلى العباد بكم وأبتليكم بهم « 1 » . ه . فالحكمة في فقر الرسل من المال : تحقيق الإخلاص لمن تبعهم ، وإظهار المزية لهم ؛ حيث تبعوهم بلا حرف . قال النسفي : أو جعلناك فتنة لهم ؛ لأنك لو كنت صاحب كنوز وجنات لكانت طاعتهم لأجل الدنيا ، أو ممزوجة بالدنيا ، فإنما بعثناك فقيرا ؛ لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا . ه . قال في الحاشية : وقد قيل : إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد تعالى أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض ، على العموم في جميع الناس : مؤمن وكافر ، بمعنى : أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغنى ممتحن بالفقير ، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه . والفقير ممتحن بالغنى ، عليه ألا يحسده ، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق الذي عليه ، وتوجه إليه من ذلك ؛ لأن الدار دار تكليف بموجبات الصبر ، وقد جعل تعالى إمهال الكفار والتوسعة عليهم ؛ فتنة للمؤمنين ، واختبارا لهم . ولمّا صبروا نزل فيهم : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا « 2 » . والحاصل : أن اللّه تعالى دبّر خلقه ، وخص كلا بما شاء ، من غنى أو فقر ، أو علم أو جهل ، أو نبوة أو غيرها . وكذا سائر الخصوصيات ؛ ليظهر من يسلّم له حكمه وقسمته ، ومن ينازعه في ذلك ، ومن يؤدى حق ما توجه عليه من ذلك ؛ فيكون شاكرا صابرا ، ومن لا ، وهو أعلم بحكمته في ذلك ، ولذلك قال : وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً . ه . وقال مقاتل : نزلت في أبى جهل ، والوليد بن عتبة ، والعاص ، حين رأوا أبا ذر وعمارا وصهيبا ، وغيرهم من فقراء المسلمين ، قالوا : أنسلم ؛ فنكون مثل هؤلاء ؟ فنزلت الآية ، تخاطب هؤلاء المؤمنين : أتصبرون على هذه الحالة من الشدة والفقر ؟ ه . قال النسفي : أتصبرون على هذه الفتنة فتؤجروا ، أم لا تصبرون فيزداد غمّكم ؟ حكى أن بعض الصالحين تبرّم بضنك عيشه ، فخرج ضجرا ، فرأى [ خصيا في ] « 3 » مواكب ومراكب ، فخطر بباله شئ ، فإذا بقارئ يقرأ هذه الآية ، فقال : بل نصبر ، ربّنا . ه .
--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي 6 / 77 . ( 2 ) من الآية 111 من سورة المؤمنون . ( 3 ) في الأصول المخطوطة [ في حصباء ] ، والمثبت هو الذي في تفسير النسفي .